حكاية .... آه
حبست أنفاسي وحزمت أمري على أن أكون هناك لأنني لم أستطع أن أصدق الخبر .
- دلال .... إبنتك .... هناك ....
عدة سنوات لم أرها خلالهاوإنقطعت عني أخبارها سوى ما كان يصلني من ذلك العاشق الذي لم أقتنع بما قاله لي عنها .
فقد إفترقا وبدى لي وكأنه يشهر بها حتى زجرته في أخر مرة وطلبت منه ألا يتعامل معي بعدها .
ها أنا الأن على شاطئ الخابور الحزين حيث وضعت طاولتي وأوراقي وبدأت بخط أفكاري بأقلامي بعد أن كتب علينا القدر أن نلتقي غرباء ثم نفترق ونحن أهل وأصدقاء لنعود نلتقي كغريبين لم يعرفا بعضهما وكأن ما كان بيننا وهم وليس حقيقة لتبقى حقيقة الكون الوحيدة هي أن الأقنعة التي إرتديناها يوماً لم تخفي حقيقتنا التي لا نجرؤ أن نواجه أنفسنا بها .
دلال ؟
أم أقول دللو ؟
أم إبنتي ؟
لا أعلم ...
هل تذكرين ؟
عندما كنت إبنتي وعندما كنت أبو دلال منذ عدة سنوات تلك الأيام الجميلة التي سرقت من عمرنا سرقة ودون سابق إنذار فإتهمنا القدر بهذه الجريمة النكراء وعن سابق إصرار وترصد وأصدرنا الحكم بعدم إحترام الزمن والقدر والمصير ونفي هذه العصابة إلى غياهب النسيان .
لكن عندما رأيتك بعد كل هذه السنوات رأيتك وقد كبرت بعيداً عن والدك المشتاق إلى همسات الماضي وبسماته .
ماذا أفعل ؟
أأصلي كي تتذكر إبنتي والدها ؟
وهي التي أنكرته قبل الفجر ثلاث مرات ؟
أم ؟؟؟
لكني هجرت الصلاة لحظة رأيتك
ثم حاولت أن أجمع أشلاء الذاكرة المحطمة
لأرسم وطناً أبيض
على ورق أسود
وأنت مازلت كما عهدتك لا تقيمين وزناً للوقت
وتنتعلين حذاء الصراحة دوماً
كي تلطمي به فم الحقيقة
التي أصبحت بالوناً تملأوه غازات الواقع
حتى تضخم هذا البالون وكاد ينفجر .
ترى إذا إنفجر هذا البالون
فما نوع الغازات التي فيه
وهل ستزيدنا إلا تلوثاً ؟
وهل حذاء الصراحة قادر فعلاً على تفجير هذا البالون
في الحقيقة لا أعلم ما أكتب لكني سأترك العنان للفرس الجامح الذي وضعته قيد الإقامة الجبرية منذ عامين ولم أسمح له بالخروج إلا عندما علمت بأنك هنا في ذلك المكان الذي لم أكن أتوقع أن أعود إليه حتى ولو كان خلاص روحي فيه .
أنت لا تعلمين كم تتعذب روحي .
سأشرح لك .
جاء القباني ليشاهد مسرح فدفع سعر التذكرة صعق حين لاقى سخفاً وفضاضة
ولذلك
سيعود القمر صغيراً
لينير ظلام الليل
ويبدد ظلم الظلمة
ويلاقي كل فضاءات الكون فيك
يا من لم يفهم ما
كانت تفعل في تلك الليلة
وبين أولئك
عدة أجيال تتصارع
والموت رهيب
يأتي القباني فيدفع سعر التذكرة
ليشاهد مسرح
ويصعق حين يلاقي
سخفاً وفضاضة
يدعوها عريف الحفلة (( فجة )) .
ويلاقي صحفياً
لم يعرف شيئاً يوماً
جاء بناءً على دعوة أحد ضيوف السهرة .
يلاقيه
ويشعر من علنه
أنه لا يفقه شيئاً
ويردد صاحبنا سراً :
لولا هدايا الأمس
ولولا بعض الأشياء
لسقط المسرح
والقباني لو أني أراه لقلت له :
يا ذا القباني إنك لا تفقه شيئاً
وأعود أؤكد :
شيئاً لا تفقه أنت .
خرج القباني يولول وينادي :
مات المسرح
والصوت يردد :
يا ذا القباني إنك لا تفقه شيئاً
والصوت يؤكد :
شيئاً لا تفقه أنت
ملعون هذا الإنسان النائم دوماً في بحر عيوني
وأنا أبحث عن شيء في عمق الأعماق .
رحل الإبداع وخلت منه الساحات
كم أندم يوماً على تأسيس المسرح
كي أدفع سعر التذكرة وأطرد
وغيري بين فضاءاته يمرح
وأساق مثل الغرباء لخارج هذي القاعة
وغيري بهذا الموقف يفرح
وعريف الحفلة مازال يردد :
(( فجة ))
والصحفي يعلن إبداعاً
ويسر بسقوط المسرح
والصوت يردد :
يا ذا القباني إنك لا تفقه شيئاً
والصوت يؤكد :
شيئاً لا تفقه أنت
والقباني يولول وينادي :
مات المسرح
أنستي إني متعب منك ومنهم
لست البنت التي كانت يوماً
تناديني بابا
بل أنت البنت التي أنكرتني
قبل الفجر ثلاث مرات
ثم غابت عن عيني وكلماتي
مذ أضفتها إلى خارطة أحزاني
فلم أودع في حياتي جرحاً إلا لأستقبل الثاني
وقد حدثتك بذلك قبلاً .
لا تذكرين متى .
سأذكرك .
يومها وصلتني رسالة منك .
طلبت فيها ألا نتراسل كونك قد إرتديت القناع ومن الصعب أن تتعاملي مع الرجال .
يومها إنزعجت من تعلقك بتعاليم عمياء لشريعة حرة
فكيف للأب أن يمتنع عن إبنته خاصةً بعد أن إستدلت إلى طريق الشريعة .
في الحقيقة فرحت كثيراً في الوقت نفسه فقد أيقنت أن إبنتي قد سلكت الطريق الصحيح بعيداً عن مفردات هذا العصر .
بعدها :
قرأت الرسالة مئات المرات وفي كل مرة تتناقض عندي المشاعر والعواطف لكنني إكتشفت أن هذه الرسلة كتبت لإبعادي من حياتك ليس إلا .
وبعد مضي كل هذه السنوات لم أنساك ولم أصدق إكتشافي الأخير غير أنني لم أصدق بأنني سأراك في هذا المكان .
وعندما بحثت عنك وسط الجموع
لم أجد فتاتي الناضجة
التي إرتدت تلك الملابس المتزمتة
إلى حد أنني أدعوها ملابس (( النينجا ))
بل وجدت فتاة أخرى ترتدي البنطال والقميص
ولم تغير السنوات العدة فيها شيئاً
بل ما تزال هي تلك الطفلة التي تبنيتها منذ عدة سنوات .
أذكر حينها أنك كنت على خلاف مع ذلك العاشق المتيم وأذكر إنهيارك بين راعي وأنا أحول تقريب وجهات النظر .
يومها نقلوك إلى المستشفى وبعد عودتك تبنيتك كي أكون قريباً منك
وتفتحي لي قلبك الصغير
وعندما أبحرنا في هذا البحر المتعالي الأمواج
شكلنا ثنائياً رائعاً
حتى جاءت تلك الرسلة
حينها إحترمت رغبتك
وإنسحبت من حياتك بعد أن أرسلت لك قصيدتي
التي لمحت فيها أنني فهمت كل شيء
هل تذكرينها ؟
سأذكرك بها فقد قلت :
أضفتك إلى خارطة أحزاني
فلم أودع حزناً إلا لأستقبل الثاني
ضيعت في رفقتي الأيام مهزلة
وكنت خير رفيقة على درب الأماني
أسف لأنني لم أعطك نفعاً
فكل ما أملك من الدنيا قلبي وأحزاني
عذراً إبنتي التي نسيت بابا
وبالهجر المؤدب أطربت سمعي وآذاني
لا تجعلي الدين للهجر تبريراً
فالدين يسر على الخلق صوان
كم مرة لمحت لي بالهجر مكرهة
وقد كان يكفي أن تقولي لي إنساني
ورغم أني لن أنساك ياأملي
كنت سأذعن للإقرار نسياني
هاتي يديك للوداع ملوحة
إني سأرحل عنك ضمآن
لن تفلح الأعذار أن تستعيدي أباً
آثرت قتله مذ غيرت عنواني .
بعدها دارت رحا الأيام بين فضاءاتك وبسماتك من خلف النظارات الشفافة وحبس الناس أنفاسهم على مدار عدة سنوات ومئات الرسائل تصلني يومياً على عنواني الجديد تسأل عن دلال .
سأقول لكم من هي دلال
دلال يا سادتي
حكاية الياسمين
بلسم ٌفي جرح الجبين
دلال !
أستطيع أن أضفي عليها عشرات الأوصاف المحببة
لكن أصدق وصف لها فيما أعتقد
هو أن أحداً إن رآها فمن الصعب ألا يعشقها
هي طفلة في مقتبل العمر
كلها حياة وشباب ومرح
لها عينان
سبحان الخالق
كأنهما جزيرتان من الزمرد
تلهوان فوق خدين ناعمين كالشمع
فيها سمرة خفيفة كالنبيذ الرائق
وبينهما فم مجموع كحبة الكرز
كل هذه اللوحة الفاتنة
في إطار من شعرها الجميل
الذي إذا إسترسل مع الريح
بلغ صدرها المتفتح
في جسدها براءة
يشع بريقها أكثر إشعاعه في عينيها
هي ككل الفتيات في عمرها
تحب الغزل
لا بل تعشقه وتعبده
تتمنى لو أن يحبها الجميع
ويتقلبون على جمر هذا الحب طوال الليل
وفي هذا السبيل تعطي كل منهم
كلمة أمل
لا
ولن
تتحقق
أبداً
هي ذي
دلال
شقاوتها تحاكي شقاوة الجان
حنونة
عطوفة
تمتلك عقلاً إلكترونياً مذهلاً
أكثر ما يغيظها
أنك حين تهتم بها
فهناك حدود يجب ألا تتجاوزها
إذ يجب أن تقف على الحد الفاصل بين
الصديق الوفي
والعاشق الفذ
وهنا وجدت نفسي فجأة أن أتبناها
لكنها طلبت مني ألا أعود لمراسلتها بعد أشهر
لأنها أصبحت من (( النينجا ))
كنت أتحاشى أن تلتقي عيني بعينيك كيلا أحرجك لأن ردة الفعل هنا تقاس بعدة حالات أسوأها ما كان من تطنيش وحوار صامت بالعيون المحدقة بين الماضي والحاضر وما يهمني هو المستقبل الذي أبنيه لنفسي وللأخرين .
فأنا سأعود بلا شروط أو قيود
وسأجعل من هذي الأيام أياماً للإنسان الحاني الواقف فوق شطاط الخابور الناشف وكأنه يقف على شط البحر ويحلق نورس إيمانويلا بين فضائاتي الساذجة على مر الأيام
ياذات الوجه البريء
مازالت عيناك تحمل حزناً أبدياً من بارق لحظٍ يتهادى فوق حدود الشمس الأزلية
يا ذا الوحشة إسمع هذا قراري
ملعونٌ من لم يكذب يوماً
ملعونٌ من عاش الصدق بعيداً عن كذب هذي الأيام
لو أنك قلت
إرحل عني
لذكرت لك أحلى الأيام
لكني لم أفهم إلا
أني منفيٌ في الأوهام
أني منسيٌ ياولدي
كرسولٍ ناسك مطرودٍ
يصنع جنة فردوسٍ ليطرد منها ويتنعم فيها غيره
ماذا أفعل ؟
أأعود إليك
لكن كيف ؟
مازال الجرح ينزف روحي
وروحي مجروحة منذ سنين
لم أعرف رسمك ياسيدتي
قبل التكوين
إني متأكد يوماً
أنك لم تنسيني
ولأني لن أنساك
سأغير خطي التكويني
وسأرحل عن دنياك ملاكاً
يبحث عن نور في ظلمة
يرسم وطناً أبيض
فوق الورق الأسود
بين نجوم الليل الداكن
لكني سأبقى أردد
مع كل صباح
شفائي من غرامك مستحيل
وإن غنى للقيانا الرحيل
هموم العشق تصرخ في ضميري
ونبع الشوق صافٍ سلسبيل
ندىً كالورد نادية المعاني
عشاءً والهواء بها عليل
المها في مقلتين بهن شوق
وخد ظامئ النجوى أسيل
زهت كالياسمين إذا تدلى
على أرض يطرزها البخيل
رؤى الأطياف تخطر في عيون
يغازلها النقا والمستحيل ؟!
ملاحتها الرقيقة ترجمان
وكل الوصف إن وصفت قليل
زلال الظامئين بثغر أنثى
على الشفتين إن همست يسيل
أعيش بذكريات ماضيات
لهن بخاطري وقع جميل
لفاتنتي الحبيبة كل شوقي
ولي في واقع الدنيا عذول
شعاع الشمس يشرق من جبين
ونوره على الكون الذهول
رفيق الوجد إن غنى بروحي
يجاوبه من الأنثى الصهيل
فلا ترحل حبيبي عن حياتي
فعيشي حين ترحل مستحيل
ولا تجزع إذا الأيام جارت
وحمل الهم ياقلبي ثقيل
إذا ما شاء ربي جمع شمل
فأنت لغربتي نعم الخليل
لعينيك الغوالي همس شعري
ويدري ما أعانيه الزميل
حنانك بلسم الجرح المدمى
وفعلك شامخ الدنيا نبيل
سعيد في هواك وإن تناهى
لقانا والوصال به قتيل
نعم والله يعلم أن روحي
غدت شوقاً إلى اللقيا تسيل
أمجد طه البطاح
رخصة النشر (Syndication)